ليس له بداية ولا نهاية؛ أو لعل له كليهما في آنٍ واحد، كما يحتوي النهارُ الليلَ. سطحٌ واحد يلتف حول نفسه، وعند عودته يبقى هو نفسه، ومع ذلك لا يعود هو ذاته تماماً. ونحن كذلك؛ نمشي لكي نصل، وكلما اقتربنا من الوصول، اكتشفنا أن «الوصول» لم يكن سوى اسمٍ آخر لـ«الذهاب».
وُلدت هذه الفيلا من سوء الفهم العذب ذاته؛ من فكرة أن بالإمكان رسم حدود بين الداخل والخارج، والأعلى والأسفل، والخاص والعام. لكن الشريط لا يحتمل الحدود؛ يمضغها ويبتلعها ببطء. يحاول الجدار أن يقول: «هنا ينتهي الأمر.» فيجيبه الزجاج: «لا؛ إنه يستمر.» يريد السقف أن يكون ظلاً، وتريد الأرضية أن تكون وزناً. ثم يأتي الالتواء؛ دوران صغير، عناد هندسي، فيذيب كل شيء في مسار متصل؛ كأن الفضاء نفسه قد تعب من أن يُقطّع إلى أجزاء.
تتقدم الكوابيل إلى الأمام؛ إلى ما بعد الأرض. وتجرؤ على البقاء معلّقة. لا من أجل الاستعراض، بل لتذكرنا بأن الجاذبية أيضاً نوع من الاتفاق؛ يمكن الخضوع له والشك فيه في الوقت ذاته. الكتلة لا تستقر ولا تهرب؛ تبتعد، تقترب، ثم تبتعد من جديد؛ كمن يريد البقاء، لكنه لا يعرف طقوس البقاء.
الشفافية هنا ليست فضيلة؛ إنها حالة. الداخل يبتلع الخارج، والخارج يعيد الداخل. تمر النظرة عبر الزجاج، ثم تعود حاملةً معها شيئاً غامض الاسم؛ شريحة من السماء، ارتعاشة غصن، انعكاساً لا يتكرر أبداً. لا يؤطّر البيت المشهد الطبيعي؛ بل يتغذى عليه. والمشهد الطبيعي يتغذى بدوره على البيت.
كيف تتشكل الخصوصية حين تكون الجدران قليلة؟ بالمسافة. بانحناء المسار. باختلاف المناسيب. بالحقيقة البسيطة القائلة إن كل شيء يمكن رؤيته، ولكن ليس كل شيء يمكن فهمه. أن تكون خاصاً هنا، يعني أن تكون أبعد قليلاً إلى الخلف، وأعلى قليلاً، وخلف انعطافة بسيطة.
أما أن تكون عاماً، فهو أن تواجه الضوء والماء والمكان الذي يتجمع فيه الصوت ثم يتبدد. الحدود ليست خطوطاً؛ إنها تدرجات؛ كالتعب، كالأمل.
يريد هذا البيت أن يكون حكاية؛ لا حكاية بطولية، بل حكاية يومية؛ مساراً ينزلق بمحاذاة الزجاج، ويمر تحت الظل، ويصل إلى الشرفة، ثم يعود، وفي كل مرة يكون هو نفسه وليس هو نفسه. نعيش فيه؛ أي ندور في داخله. وإذا سأل أحد: أين يقع هذا؟ في الداخل أم في الخارج؟ يمكن القول: نعم.
سطح واحد. دوار لطيف. مكان للوجود يشبه، أكثر من أي شيء آخر، الاستمرار. ونحن نستمر دائماً؛ حتى حين نظن أن كل شيء قد انتهى.








