«الصندوق الأسود» لا يقول شيئاً. هو موجودٌ فحسب، يقف وسط الطبيعة، بارداً وخالداً، لا ينتمي إلى هنا ولا إلى أي مكان. تبدو أشكاله النقيّة والهندسيّة كبياناتٍ قاطعة، لا تقدم تفسيراتٍ ولا توفر حلولاً. تعكس الأسطح الزجاجيّة الطبيعة المحيطة، لكنها لا تنبس ببنت شفة عن نفسها. الطبيعة ليست مدعوة إلى الداخل؛ بل يبقى انعكاسها فقط، كشظية من العالم الخارجي تنزلق على جدرانه الصلبة والقاسية.
الصندوق الأسود، وفياً لاسمه، ليس مقصوداً به الكشف، بل الإخفاء. تتكشف طبقاته ببطء، فقط عبر الزمن والتجربة. ومع ذلك، حتى في لحظات انكشافه القصوى، يظل هناك شيءٌ غير ملموس، شيءٌ غير قابل للمعرفة. من المدخل، يبدو هادئاً وبسيطاً؛ مستويان فقط. لكن تقدم خطوة، وانظر من الخلف، وسترتفع أربعة مستويات فجأة من الأرض. تناقض، لعبة، تساؤل. هذا يذكرنا بـ «بيت العباسي» في كاشان، حيث يتغير عدد المستويات اعتماداً على منظور الناظر، مما يخلق شعوراً بالغموض والإثارة البصريّة.
لا يسعى الصندوق الأسود إلى التناغم ولا إلى التمرّد. إنه يقف منفرداً؛ ليس داخل الطبيعة ولا خارجها. إنه صمت، وقفةٌ وسط الفوضى. هو الحالة الإنسانية وقد تجسدت فراغاً، يقف على العتبة بين الداخل والخارج، وبين الضوء والظل. وإذا ما تحدث، فإنه يقول فقط: انظر، ولكن لا تفهم تماماً. اسكن، ولكن لا تمتلكه كلياً. الغموض يبقى دائماً.










